أكّد خبراء وأكاديميون لـ«الإمارات اليوم» أن عدداً من طلبة الجامعات يواجهون تحديات واضحة في إدارة التعلم الذاتي، مشيرين إلى أن نجاح التعليم المدمج في مؤسسات التعليم العالي لم يعد مرتبطاً بتوفير المنصات الرقمية أو البنية التحتية التقنية فقط، بل أصبح يعتمد بشكل أساسي على جاهزية الجامعات، وجودة تصميم المناهج، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، واستعداد الطلبة للتفاعل مع متطلبات هذا النموذج التعليمي.
التعليم الافتراضي وحدوده
وقالت أستاذة كلية إدنبرة للأعمال، الدكتورة دينا محمد، إن الاعتماد الكامل على التعليم الافتراضي أثبت محدوديته، نظراً لما يفرضه من عزلة تعليمية تقلّص فرص التفاعل الإنساني، الأمر الذي دفع العديد من المؤسسات التعليمية إلى تبنّي نموذج التعليم المدمج باعتباره خياراً أكثر توازناً، يجمع بين مرونة الأدوات الرقمية وأهمية التعليم الحضوري.
وأوضحت أن التعليم المدمج يقوم على دمج مقصود ومدروس بين التعلم الإلكتروني والتفاعل داخل القاعات الدراسية، مؤكدة أنه لم يعد نموذجاً مؤقتاً أو تجريبياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية، خصوصاً في البيئات التعليمية متعددة الثقافات، كما هو الحال في دولة الإمارات.
نمو عالمي.. وتحديات تطبيق
وأشارت إلى أن سوق التعليم المدمج عالمياً بلغ نحو 22.3 مليار دولار في عام 2023، مع توقعات بارتفاعه إلى 51.82 مليار دولار بحلول عام 2032، ما يعكس التوسع المتزايد في اعتماد هذا النموذج عالمياً، إلا أنها شددت على أن النمو الكمي لا يضمن جودة التطبيق ما لم يكن مدعوماً بأطر حوكمة واضحة واستراتيجيات مؤسسية تضمن عدالة وجودة مخرجات التعلم.
وأكدت أن نجاح التعليم المدمج مرهون باستراتيجية مؤسسية شاملة تحدد آليات التطبيق، وتوزيع الأدوار، ومعايير الجودة، محذّرة من أن التطبيق العشوائي أو الشكلي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مشيرة إلى تجارب ناجحة في الدولة، من بينها جامعة زايد وكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، التي اعتمدت نماذج تعليمية هجينة قائمة على رؤية واضحة.
إعادة تصميم المناهج
وفي ما يخص المناهج الدراسية، أوضحت الدكتورة دينا محمد أن التركيز على نسب توزيع الساعات بين التعليم الحضوري والإلكتروني يُعدّ مقاربة سطحية، مؤكدة أن جوهر التعليم المدمج يتمثل في إعادة تصميم المقررات تربوياً، بما يضمن جودة التفاعل وتحقيق أهداف التعلم، وتوظيف الأدوات التعليمية في سياقها الصحيح.
كما شددت على أن جاهزية الطلبة تشكّل تحدياً رئيساً، موضحة أن الإلمام بالتقنيات الرقمية لا يعني بالضرورة امتلاك مهارات التعلم الذاتي، مثل إدارة الوقت والانضباط الأكاديمي، ما يستدعي برامج توعوية ودعماً منهجياً مستمراً.
فجوة في التجربة التعليمية
من جانبه، أكد الخبير التعليمي الدكتور وافي الحاج أن التوسع في تطبيق التعليم المدمج لا يمكن اختزاله في استخدام المنصات الرقمية، محذراً من أن غياب الحوكمة قد يحوّل هذا النموذج من أداة تطوير إلى عبء تعليمي.
وأشار إلى أن التجارب العالمية الناجحة تنطلق من وثائق سياسات واضحة تحدد الأهداف التعليمية، ومعايير الجودة، وأدوار أعضاء هيئة التدريس، وآليات التقييم والمتابعة، مؤكداً أن التطبيق الجزئي أو غير المنظم يؤدي إلى فجوة في التجربة التعليمية وعدم اتساق المخرجات الأكاديمية.
مفاهيم مغلوطة حول التعليم المدمج
بدوره، شدد الخبير التعليمي الدكتور بسام مكاوي على أن من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً في تطبيق التعليم المدمج هو التركيز على تقسيم الساعات الزمنية، مؤكداً أن الجودة لا تُقاس بعدد الساعات، بل بعمق التفاعل وفاعلية التجربة التعليمية.
وأوضح أن هذا التحول يفرض دوراً جديداً على عضو هيئة التدريس بوصفه مصمماً لتجربة تعلم متكاملة، ما يستلزم تدريباً مهنياً مستمراً ودعماً مؤسسياً حقيقياً.
تحديات التعلم الذاتي لدى الطلبة
وفي محور جاهزية الطلبة، أوضحت خبيرة التعلم الرقمي، الدكتورة منى جابر، أن شيوع استخدام التكنولوجيا لا يعني الاستعداد للتعلم المدمج، مشيرة إلى أن كثيراً من طلاب التعليم العالي يواجهون صعوبات في إدارة التعلم الذاتي وتنظيم الوقت والمشاركة الفاعلة في البيئات الرقمية.
وأكدت أن نجاح التعليم المدمج يتطلب إعادة تعريف دور الطالب إلى جانب دور المعلم، من خلال برامج دعم منهجية تُنمّي مهارات الانضباط الذاتي، وتوفّر إرشاداً أكاديمياً ونفسياً مستمراً، بما يضمن تجربة تعليمية متوازنة وعادلة ومستدامة.
المصدر:الإمارات اليوم
